الرجل الذي هدم الحاجز بين الكاتب والقارئ. نعم، إنّه أنيس منصور

تكلمي

, مقالات

أحمد سامي//ِ

القامات الأدبية العُليا كثيرة ومُتعددة، فمَن مِنا لم يسمع عن العقاد، طه حسين، يوسف إدريس، المنفلوطي، نجيب محفوظ ، والقائمة تطول إلى عشرات الأسماء الأخرى، فكل كاتب منهم لديه أسلوب خاص يميزه، لكن كلهم يتفقون على عنصر واحد: “رصانة اللغة هي الركيزة الأساسية في العمل الأدبي الناجح”، وهذا بالتأكيد ما يعتقده أي شخص مهتم بالثقافة والوسط الأدبي بشكل عام، لكن من الناحية الأخرى جاء شخص ما ليضرب بذلك عرض الحائط ويقول: “حسنًا الرصانة مفيدة، لكن لا بأس بقليل من السلاسة، وتطييع الكلمات من أجل تبسيط الأسلوب وإبلاغ الرسالة”. ذلك الرجل هو أنيس منصور الذي كتب وترجم أعمالًا لا تُحصى، كان له باع طويل جدًا في الكتابة الصحفية، وأيضًا صاحب التاريخ الحافل مع العلّامة الراحل عباس محمود العقاد. الآن، دعونا نتعرف على هذا الكاتب قليلًا، مركزين على نشأته، حياته، والأيقونات البارزة من أعماله.

أنيس منصور: نشأة وتاريخ

صرخ أنيس منصور صرخةَ الحياة الأولى في الثامن عشر من أغسطس 1924 بإحدى قرى محافظة الدقهلية. كان يُشهد له بالذكاء واتقاد العقل منذ صغره، وعلامة على ذلك فقد حفظ القرآن الكريم كله في سن التاسعة، ثم بعدها ذهب للمنصورة من أجل دراسته الثانوية التي أثمرت بالتحاقه بكلية الآداب جامعة القاهرة، وذلك بقسم الفلسفة الذي أظهر تفوقًا فيه، مما أدى إلى تعيينه كأستاذ بالقسم نفسه بجامعة عين شمس، بعدها ترك التدريس ليعمل كصحفي وأديب، فبدأ مشواره الصحفي مع مؤسسة أخبار اليوم.

ثم انتقل للعديد من المؤسسات الأخرى مثل: الأهرام، آخر ساعة، الهلال، وروز اليوسف، خصوصًا الأخيرة تلك له فيها صولات وجولات ومواقف مضحكة بشدة، وبين هذا وذاك كتب العشرات من الأعمال الأدبية التي تندرج أسفل تصنيفات مختلفة مثل: الفلسفة، السياسة، التاريخ، الفنون، العلوم، وبالتأكيد المرأة التي لديه فيها نظرة خاصة جدًا. توفي بعد سنين طويلة في الواحد والعشرين من أكتوبر 2011، والجدير بالذكر أنّ له مقابلةً تلفزيونيةً مميزةً في عام 2010 مع الإعلامي الشهير تامر أمين في برنامج مصر النهاردة، ويُمكنكم مشاهدتها عبر الضغط على الفيديو بالأسفل.

أسلوب أنيس منصور، وتأثيره الجاذب

أنيس منصور يعمد في أسلوبه إلى المزج بين الألفاظ القوية تارةً، والألفاظ الأقرب إلى العاميّة أخرى (لكن تظل ألفاظه فصحى واضحةً، ولم تختلط بالعامية المزرية التي تلوث النص). ذلك، المزيج أسفر عن أسلوب سلس، طيّع، ومباشر إلى أقصى حد، فمَن يقرأ لأنيس منصور يفهم كلامه دون مُعاناة أو محاولة لفهم التورية الأدبية، أو حتى بعض الكلمات التي في العادة يستخدمها الكتاب لجعل العمل يبدو عميقًا. بجانب أنّ أنيس يُدخل الفلسفة في كل شيء – بحكم كونه خريجًا من ذلك القسم بالجامعة -، وفلسفات أنيس أغلبها شخصية، فهو يعرض وجهة نظره الفلسفية للأمور ويطرحها عليك في قالب شيّق وجذاب، حيث يقلل من حدة ورتابة الفلسفة، جاعلًا من الفلسفة أسلوب حياة يجب على كل فرد ناضج ومتقد الذهن أن ينتهجه؛ ليرى العالم بمنظور آخر أكثر تفتحًا وعقلانية.

بجانب أنّ أسلوب أنيس يعمد إلى المخاطبة، سواءً مخاطبة الذات (أي نفسه) أو مخاطبة القارئ على نحو مباشر، ففي تلك المخاطبة تشعر كأنّك تجلس بجانبه على المقهى وتتسامران في كل شؤون الحياة، الزواج، السفر، المرأة، الوجود، الأدب، الفن، المشاكل، السياسة، وكل شيء قد يخطر على ذهنك ما دمت حيًّا تتنفس. ذلك، الأسلوب هو الذي كسر الحاجز بين الكاتب والقارئ، وهذا ما أقصده تحديدًا بالعنوان الذي بالأعلى، فيحكي لك أنيس عن مغامراته في الهند عند الدالاي لاما، وكيف له أن ادعى المرض ليصل إليه، وفي النهاية يجده رجلًا يعاني من أمراض جلدية وغريب الأطوار، وفي سطور أخرى يحكي لك عن ذهابه إلى اليابان وسؤاله للبائع عن كتاب ما، والبائع كل ما يفعله هو الانحناء وقول: “سو ديس كا” دون إعطاء أي معلومة مفيدة، وعشرات المواقف الحياتية التي تجمع بينه وبين فلسفات الحياة المختلفة. كل هذا في أسلوب سردي رشيق وسلس.

ببساطة إن كنت تبحث عن كاتب عقله مستنير، روحه شبابية، وقلبه مرح، فعليك بأنيس منصور بكل تأكيد. مع أنيس الكتابة تأخذ شكل الحورية بارعة الجمال، تناديك لتجلس معها على صخور عليها أعشاب، تداعب أناملك التي تتحرك بعشوائية لتشارك قسمات وجهك المشدوهة الصدمة الخاصة بالمواقف المتعددة التي تحكيها لك بمزيج من المرح والحكمة.


أبرز أعمال أنيس منصور

1) 200 يوم حول العالم

وهو كتاب يُعتبر أيقونةً من أيقونات أدب الرحلات، صاحب الفكرة الأصلية هو جول فيرن مؤلف كتاب 80 يوم حول العالم. أنيس جعلها أكثر من الضعف، وجالَ فيها بلدانًا لا تُحصى وأعطانا عنها معلومات لا تُقدر بمال، جغرافية البلد، عادات أهلها وطباعهم، الشوارع والبيوت والحوانيت، المواقف الطريفة، وآلاف الأشياء بالمنتصف. كتاب ضخم بحق، ويستحق منك القراءة دون شك.

2) في صالون العقاد كانت لنا أيام

هذا الكتاب المهول الذي يحكي فيه أنيس حكاياته أثناء حضوره لصالون العقاد الأدبي، فدخول العقاد لحياة أنيس له تأثير كبير عليه كمُفكر وأديب، وكتلميذ أيضًا بالنسبة له، فكان يحضر الصالون قامات أدبية عُليا، وكلهم يجلسون مستمعين لحديث العقاد المُلهم والمُدبب نحو الهدف. هذا الكتاب أكثر بكثير من كونه مجرد رحلة في حياة شخصية بالنسبة لشخصية أخرى، بل هو نظرة خاصة لكل جوانب وأمور الحياة بدايةً من أصغر الصغائر، مرورًا بالمواقف الروتينية المُعتادة، وصولًا إلى الآراء الفلسفية في أهم القضايا الحياتية المُعاصرة.

3) أعجب الرحلات في التاريخ

يقول أنيس في افتتاحية هذا الكتاب: “هناك ثلاثة أنواع من الرحلات: أن تسافر، أن تقرأ كتابًا، وأن تقرأ كتب الرحلات!”، ففي هذا الكتاب ينتقي لنا أنيس الكثير من تجارب السفر والرحلات للعديدين، ساردًا بذلك مواقفهم أثناء أسفارهم، والعِظات التي أبرزها بشكلٍ واضح أثناء السرد. أنيس مُغرم بالسفر والرحلات، وهذا الكتاب بجانب “200 يوم حول العالم” لهما تجسيد حي لذلك الشغف المتأجج لديه منذ الصغر.


وفي الختام

أنيس منصور قامة فكرية وأدبية لا يُستهان بها، وفراقه كان عام حزن مرير على معشر الأدباء والمثقفين حصرًا. في هذا الموضوع حاولت أن أسلط الضوء على كينونته الفريدة بقدر الإمكان، لأظهر كم مات عظيمًا، وعاش جليلًا في قلوبنا وعقولنا ومكتباتنا. أترككم الآن مع لقاء أنيس منصور بالإذاعية نادية صالح في برنامج “زيارة لمكتبة فُلان”.

https://tinyurl.com/y9axlvp3

One Comments

  • وردة الكاردينيا 13 / 04 / 2018 Reply

    احسنتم النشر

اترك رد