الشغف

تكلمي

, مقالات

نور الهدى حمدان//

“اتبع شغفك ولن تعمل يوما في حياتك” – مارك توين ١٩١٠م

كثيرا ما نسمع هذه المقولة ومثيلاتها تترددن في خطابات الناجحين والمدربين المهنيين والتنمويين. ما نعرفه منهم (وتثبته الدراسات) هو أن السعادة، الطاقة، الإبداع، الإيجابية، والجاذبية الاجتماعية هي بعض الصفات التي ترتبط بالشخصيات التي أدركت شغفها. لوهلة قد يوهمنا كل هذا أننا حللنا لغز السعادة والنجاح جملة واحدة، كل ما علينا فعله الآن هو أن نجد ذلك الشغف.

“اتبع شغفك” توحي لمتلقيها أن شغفه موجود في مكان ما، وما عليه إلا أن يدركه. قد تنجح هذه العبارة في دفع المترددين للتمسك بشغفهم في وجه التحديات، لكنها تضع الغالبية العظمى منا في دوامة من الفشل والإحباط المتلاحقين ونحن نبحث عن شيء غير موجود بعد. إذا وضعنا خطابات الأعلام جانبا وذهبنا لقراءة سيرهم المكتوبة، تلك التي تمتد صفحات وصفحات فسنكتشف حقيقة أخرى للشغف.

في السيرة الذاتية لستيف جوبز، مؤسس شركة أبل التي تقدر اليوم ب ٨٠٠ مليار دولار، يصف جوبز دخوله إلى عالم الحواسيب على أنه كان محض صدفة دفعته لها حاجته للمال. اهتمامات جوبز في ذلك الوقت كانت في الرقص والخط والتاريخ الغربي والديانات، التكنولوجيا لم تكن من اهتماماته، هو لم يدرسها ولَم يكن يعرف عنها شيئا. لكنه رأى فرصة في عالم الحواسيب الجديد أن ذاك، واغتنمها.
إذا سمعت بعد اليوم أحدهم يقول لك “اتبع شغفك” فإنما هو قاصد: أبق حواسك مستعدة لالتقاط الفرص، ثم بادر لها، أعمل عليها، وثابر لأجلها

في عام ٢٠٠٥ وبعد نجاح شركة أبل، وقف جوبز على منصة الخريجين في جامعة ستانفورد وقال لهم: “أنا مقتنع أن الشيء الذي حفزني للاستمرار في عملي هو حبي له. عليكم بأن تجدوا العمل الذي تحبون… عندما تحبون عملكم ستبدعون فيه”. قبل أشهر من إنشائه لشركة أبل، كان جوبز يقف حافي القدمين مع إحدى جماعات التنوير الروحاني في رحلة للبحث عن الذات. ستيف لم يجد ذاته في تلك الحلقة روحانية، بل رأى فرصة وبادر لاغتنامها.

سيرة جوبز وسير الناجحين تُظهر تلاحق الأحداث الحقيقي. جوبز لم يكن شغفه بعمل، ولكنه بعد أن عمل وأتقن عمله ونجح فيه، تولد عنده حب لعمله: الشغف. الشغف لا يولد معنا ثم يضيع عنا في زقاق ذاكرة الطفولة لنبدأ رحلة البحث عنه عندما يشتد عودنا. الشغف وليد العمل الناجح.

يدفع الكاتب كال نيوبورت-١- فكرة العمل قبل الشغف إلى حد أقصى مشيرا إلى أننا يجب أن نهجر فكرة البحث عن الشغف تماما، فهي فكرة عقيمة لا تعود على صاحبها إلا بالسلبية. معاملة الشغف على أنه غاية تحد من رؤيتنا للفرص التي تحيط بنا وتشغلنا في البحث عن شيء مثالي خرافي، تماما كالذي يبحث عن شريكة حياة خيالية كاملة الصفات من نسيج أحلامه. ما يدعوا له نيوبورت في المقابل هو التركيز على الأجزاء التي نحبها في عملنا وحياتنا ونحاول اتقانها بالتدريب عليها وتعلم أدوات جديدة تميزنا عن زملائنا. عندها فقط سنقع في حب ما نفعل ونذوق ملذات الشغف بالعمل.

عندما سُألت باحثة علم النفس أنجيلا دكوورث-٢- لماذا لا تجد غالبية الناس شغفها، أجابت بأنهم يعانون من فانتازيا الشغف من النظرة الأولى: يُخيل لهم أن إدراكهم لشغفهم سيأتيهم كالإلهام واضحا (سأكون كاتبا) ومع التفاصيل اللازمة للنمو والنجاح. إلا أن الكاتب لم يصبح كاتبا في غضون لحظة، وقبل أن يكون كاتبا فهو لم يكن يعرف أن شغفه الكتابة. ما بين مرحلة اللا شغف والشغف، مراحل من التعلم والتدريب والممارسة والاتقان. لاعب الكمان لا يكون عنده شغف بالعزف من قبل أن يلمس الآلة. قد يكون معجبا بصوت الكمان، أو بشكل الكمان، أو بفكرة العزف عليه، ولكن إلى أن يبادر ويتعلم ويتقن العزف على الكمان فإن احتمالية تحول إعجابه بالكمان إلى حب تساوي احتمالية هجره. أما المشكلة الثانية، تضيف الكاتبة، فهي أن معظم الناس يستسلمون ويتوقفون عن المحاولة فقط ساعات قبل النجاح.

حقيقة اهتمامنا بالشغف وبحثنا عنه هي ضرورة إشباع حاجاتنا النفسية الأساسية التي لا تُشبعها أعمالنا اليومية، كالحاجة لتحقيق الذات (فرديتنا وقيمتنا)، الحاجة للنمو، والحاجة للمساهمة في المجتمع (الانتماء). فإذا لم تُكف هذه الحاجات فإنها تترك مكانها فراغا يقتل ثقتنا بأنفسنا ويستنفذ طاقتنا بلا طائل. الشغف ليس إكسير السعادة والنجاح. إذا سمعت بعد اليوم أحدهم يقول لك “اتبع شغفك” فإنما هو قاصد: أبق حواسك مستعدة لالتقاط الفرص، ثم بادر لها، أعمل عليها، وثابر لأجلها، عندها ستتقنها وتنجح بها ومن ثمة ستقع في حب مصدر نجاحك. هذا الحب الذي جاء أخيراً، هذا هو الشغف الذي يدفع الناس لمزيد من السعادة والنجاح.

اترك رد