ديهيا الكاهنة الأمازيغية او فارسة زمانها

نزهة صادق//

جمعت الملكة الأمازيغية ديهيا أو”الكاهنة” بين سحرالجمال وحدة الذكاء وقوة الإرادة، ما مكنها من تبوء مكانة عالية، وكانت “فارسة الأمازيغ التي لم يأت بمثلها زمان، تركب حصاناً وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها” كما كتب عنها المؤرخ ابن خلدون.

لم تكن ديهيا ملكة فقط، بل قائدة عسكرية خلفت الملك أكسيل، وحكمت الأمازيغ وشمال إفريقيا، ونقشت اسم المرأة في سجل النجاح، وفي البنية الذهنية العربية والأمازيغية التي دونت تاريخها وسيرتها كأقوى النساء في تاريخ شمال إفريقيا.

كانت لـ”ديهيا” شخصية قوية، وكانت مثالاً للحنكة والفطنة والدهاء في تسيير دواليب الحكم. حكمت العديد من الممالك الأمازيغية، من بينها مماليك في الجزائر، حيث دامت مدة حكمها35 سنة، وكانت تحتل مكانة كبيرة بين أهلها الذين كانوا يحترمونها ويعظمونها تعظيماً وتبجيلاً إلى درجة التمجيد والتقديس، وفي هذا يقول الثعالبي:” إنها امرأة نادرة رفعها سكان المنطقة إلى منازل الآلهة البشرية التي عبدها الناس”.

أما عبد الرحمن بن عبد الحكم في كتابه” فتوح إفريقية والأندلس”، والبلاذري في كتابه “فتوح البلدان”، فقد نعتاها بـ “ملكة البربر”. وورد في كتاب المالكي “رياض النفوس”، أن جميع الأمازيغيين كانوا يخافون من ديهيا ويطيعونها بسبب جرأتها وشجاعتها منقطعة النظير.

وترجع تسمية ديهيا بالكاهنة، كما أكد عدد من المؤرخين، إلى كون ديهيا “تتكهن بمجموعة من الأمور بوحي من شياطينها”، كما أن ابن خلدون تَبنى نفس الفكرة التي أشيعت بين العرب عن الملكة ديهيا، حيث اعتقد هو أيضاً أن سيادتها لقومها مستمدة من علمها بالسحر والغيبيات، بالإضافة إلى كونها حيرت بدهاءٍ خارقٍ الفاتح العربي المسلم حسان بن النعمان الوالي الجديد.

وكانت الكاهنة تقطن جبال باغية قرب مسكيانة بسفوح جبال الأوراس الشامخة بالجزائر، واسم ديهيا، والصواب دهي، يعني المرأة الجميلة في القاموس اللغوي الأمازيغي.

كانت ديهيا قائدة محنكة تحسن التخطيط الحربي، وتستعد جيّداً للمعارك التي تخوضها عدداً وعدة، وكانت تتصف بالذكاء والشجاعة والصلابة والقوة والمهابة والحنكة والدهاء والمراوغة مع حسن القيادة والإشراف، وتميزت بإشرافها على استراتيجيات “دحضت كثيراً من المزاعم، التي كانت ولا تزال تنعت ساكنة شمال إفريقيا بالسلبية تجاه ما عرفته المنطقة من أحداث سياسية، وأنها استسلمت لقدرها دون مقاومة أو مواجهة”، كما أكدت الباحثة في تراث المرأة القديم نضار الأندلسي.

أظهرت ديهيا جدارتها وقوتها وكفاءتها في تحمل المسؤولية، وتظل هذه المرأة الحديدية التي كتب عنها الكثيرون رمزاً من رموز النساء الأمازيغيات اللواتي نقشن اسمهمن في التاريخ، كما أن الأبحاث الأركيولوجية متواصلة لإماطة اللثام عن جانب من جوانب حياة سكان الأمازيغ الأولين، وعن شخصية ديهيا المتميزة.

عاشت الكاهنة ديهيا بنت تابنة (585 م – 712 م) 127سنة، تولت فيها زمام الحكم بحكمة وحزم، وقاومت الروم والبيزنطيين والعرب، وتمكنت من توحيد أهم القبائل الأمازيغية، وتوفيت في معركة حامية الوطيس أثناء مجابهتها لجيش حسان بن النعمان في موقع بالجزائر سمي فيما بعد ببئر الكاهنة حوالي79هـ أو 80هـ.

اترك رد