فدعة أسطورة الشعر الشعبي العراقي

منى الهلالي//

فدعة هي الابنه الوحيده ( اضافة الى ولد ) لمربي جاموس ذكي اسمهُ علي ال صويح وان هذا الرجل كان من مربي الجاموس المتنقلين الذين لازالت بقيةً منهم موجودة في وسط وجنوب العراق، فهم يربون الجاموس فقط ويعتاشون منه، ويطلق عليهم ( المعدان ) تحديدا بالرغم من ان هذه الكلمه قد اتسعت بعدئذ لتشمل مجاميع اخرى من الناس، وهم يقومون بتأجير بعض القطع الزراعية من المزارعين لفترة محدده لكي ترعى فيها حيواناتهم، ومن النادر ان يختلط هؤلاء بالمزارعين الذين يستاجرون منهم الارض، بالاضافة الى ذلك فان لديهم لهجتهم الخاصة بهم، ويعتاشون من بيع القمر والحليب والجبن وغيرها من منتجات الجاموس، ويتميز( المعدان ) او ( الدبات ) كما يسمون احيانا بقوة جسدية متميزة وذلك لاعتماد غذائهم على حليب الجاموس الدسم.
كانت تعيش في صريفه في احد ارياف الرميثة، وانها كانت ترعى الجاموس احيانا او تبقى في البيت لتصنع القيمر والجبن واللبن، وان مصادر وعيها لاتتعدى الاختلاط بمثيلاتها من النساء والمشاركه في الافراح والاحزان ( الزواج والوفاة )، وان اهوار القصب والبردي والمياه وفرت لها الصور الشعرية التي وردت في شعرها. اما من الناحية الاجتماعيه ـ واننا نعتمد هنا على الموروث الشعبي المتناقل ايضا فانها كانت مطلقة، وذلك لسلاطة لسانها ونفرتها من الرجال، وفي رواية اخرى انها كانت متزوجة الى ابن عمها المسمى ( عبود )، ، اذ انه ليس من المتعارف عليه ان تبقى الفتاه بدون زواج، ولكن يبدو ان زوجها قد قتل، اذ ان اشارة الى ذلك في احدى قصائدها :
يبات الكَلب يحسين ملهود يجمـع بمـدة ويخـزن جبود

سادة وخزاعل عندك جعود شي تندعي وشي كَلوبها سود
يحسين جيف بثار عبود ؟ عكَبـك تظـل زنـودها بنـود

من المحتمل ايضا، ان فدعة كانت من ذلك النوع من النساء ممن يرغبن في الاشتراك في المعارك عمليا، ويقال انها كانت ترافق عشائر الخزاعل في قتالها ضد عشائر زبيد والمنتفك. كانت نقطة التحول في حياة فدعة الاعتيادية اليومية على ما يبدو هي مقتل اخيها حسين، ونحن لانعرف فيما اذا كانت فدعة على معرفة تفصيليه بحياة الخنساء، الاانها بالتاكيد كانت قد سمعت بالخنساء وبكائها المرير على اخيها صخر. كما ان هنالك احتمالا بان القصص المروية عن فدعة والخنساء قد اختلطتا معا في الموروث الشعبي العراقي، ويبدوا من المحتمل بان فدعة قد سلكت سيرة الخنساء في حزنها على صخر، فلبست الاسود وحزنت ماتبقى من عمرها، وقالت فيه الكثير من شعرها، الذي فقد معظمه بمرور الزمن، اذ ان السمعة التي تتمتع فيها فدعة في معظم مناطق وسط وجنوب العراق وفي عصر كانت فيه المواصلات معدومة ومستحيلة، يدلل على ان فدعة كانت مشهورة في عصرها اكثر مما نتوقع. ولكن السؤال الذي يبقى بدون اجابه مؤكدة، هو هل ان فدعة كانت شاعرة قبل مقتل حسين ام ان شاعريتها قد تفجرت بعد مقتله ؟
من المحتمل ان فدعة كانت شاعرة مناسبات، تقول الشعر في حفلات الزواج او حوادث الوفاة، وهي طقوس معقدة تستمر اياما، ويقال فيها الكثير من الشعر
ولكن جرح اخيها حسين ضربها في صميم عمرها فكرست شعرها لرثائه وتعداد مزاياه حتى قال عنها جاك بيرك ان فدعة خنساء الشعر الشعبي ! وقد كان منظرها يفطر الأكباد وهي تهيم على وجهها مثل الدراويش ! قارن عذابها الذي صاغته شعرا بكائيا

كلما تون يا خـوي اناغي شمفضاة خلكَي وشو ساعي
يميمر عرب يبن الصداعي يعربيد والجابـوك افـاعـي
ومن هنا نفهم ان صبرها كان على وشك النفاذ

اشما تون يحسين انا اشيط والنوم عفتـه والغطيط
يلتعـدل العوجة عـدل ميط يمعزب الخطـار تشريط
ردتـك على كَومـك كَليـط يلجنهـم بعقلك زعاطيط
على خشومهم منكَار كَطكَيط يفحل النخل يملجح العيط

معظم الشعر الذي قالته فدعة يدور حول اخيها حسين باستثناء بعض المقاطع الشعرية التي قالتها عند وفاة حمد ال حمود، وهي ابيات يمكن القول ببعض الامان انها ترجع الى فدعة في الاسلوب :
حمد مرضي العرب والروم والباشات يجالسها ويكلمـها بسبع لسنـات
لسـان للعــرب ولسـان للبيكَـات ولسـان لعـد الروم والشـاهـات
منه امهـدبلـه كلـها شــواربها كوسـج بالبـحر كسّـر مراجبـها
ولقد عانت المنطقة من الجفاف والقحط مما اضطر بيت فدعة وعشيرتهم الى الاقامة في مرابع الشيخ حمد آل حمود 7لان القبائل جميعا كانت تعاني من شحة الماء وكانت تطرد الشيخ علي صويح واقاربه ! وبوساطة حمد آل حمود امكن المؤرخين معرفة عصر فدعة فحمد عا ش في القرن الثامن عشر ! وتوفي عام 1794 تقريبا اي ان حمد ال حمود عاش فترة حكم السلطان العثماني عبد الحميد الاول ( 1725 ـ 1789 ) وقد تولى عبد الحميد الاول الخلافة عام 1774، وان سليم الثالث تولى الحكم بعدئذ، وشهد حمد الخمس سنوات الاولى من حكم سليم الثالث، وان فدعة الشاعرة قد عاشت في الفترة الواقعة بين نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ويمكننا ان نفترض انها ولدت عام 1756 !! وان فدعة كانت تحظى بمحبة وتقدير الشيخ حمد ولذلك حزنت كثيرا لموته المفاجيء ! ومن حق فدعة ان تبكي فارسا لم ينظر اليها ولا الى ابيها نظرة الاحتقار التي كانت سائدة عهد ذاك ضد الدبيين والمعدان من مربي الجاموس ! فامتزج والدها الشيخ علي ال صويح بقبيلة الخزاعل وزعيمها الأكبر حمد آل حمود ! ومن شعر فدعة نستنج ان والدها كان مستشار الشيخ حمد في كل واردة وشاردة ورجله الاول وكاتم اسراره ! لقد اثقل الموت كاهل فدعة فكل من احبته وتعلقت به مضى الى جوار ربه حتى حمد آل حمود ذلك الامير الذي يكلم كل ضيف مهم بلسانه فتجد قصره مزارا للشخصيات المهمة العربية والاجنبية حيث يتطلب الجميع دوره في تذليل كثير من الصعاب التي يعانيها مواطنوه مع الحاكم العثماني او يعانيها الحاكم العثماني مع مواطنيه فضلا عن صلاته مع سفراء الدول الاجنبية نلاحظ من خلال هذه الابيات، ان فدعة كانت تلحظ من بين ضيوف حمد ال حمود بعض الاجانب من العثمانيين وربما الانكليز، وان حمد كان يتحدث التركية على مايبدو ( وهو امر غير مستبعد في تلك الفترة )، وهو مشهور ايضا بالفراسة ومعرفة الالغاز والكلام المبطن الذي كان شائعا بين زعماء القبائل في تلك الفترة ويجمع الموروث الشعبي العراقي على ان حمد ال حمود كان متكلما ممتازا وحكيما، وهو بذلك يكون شيخ القبيلة الوحيد الذي يصلنا عنه هذا النوع من المعلومات المتعلق بحكمته وقوة منطقه وحجته.

ولقد مدحت فدعة ابيها علي ال صويح ايضا، وكان هو الاخر مشهورا بالفراسة وقوة المنطق وتفسيره للكلام الملغز، ففي مدحه تقول :
تنادهـت تبغـي الشــظيظ
وباجــر يطـرون التغيــظ
نادوا ( علي ) الحجية فريض
ياعلوة الشـلهت مـن الفيض
يمشراكَة اشته ومكسر الكَيض
تنـادهت والشـمس تنجاس
تنـادهـت وابـلـيس نـدّاس
نادوا ( علي ) للشور حيّاس
ابوي اليعـدل العوجة بلا فاس
.

ومن المواضيع التي تناولتها فدعة وصفها لقلعة بناها والدها علي ال صويح، وكانت القلاع الطينيه من المباني الشائعة في تلك الفترة وذلك لكثرة النزاع بين القبائل والخشية من الهجوم المباغت من قبل القبيله العدوه، فان القبيلة تقوم ببناء قلعه طينيه ضخمه ومزودة بثقوب لبنادق، فهي تقول عن هذه القلعه :
بناها علي وية الغيم زمّت وبيها بني مالـج التمـت
بلابوش منه الخيـل حمّت محصن علي يالبيه تشمت
ومن المثير للانتباه ان معظم المصطلحات الشعبيه التي تستعملها فدعة مشتقة من بيئة الاهوار،

يا علتي من كبر نفر
وتشجي الزعر وتريد تكبر
ولونها بصخر ماع وتفسر
ولونها بشجر ماجان خضَّر
ولونها بسبع جار وتشمر
ولونها بحر ماج وتطشَّر
منحجيلك يبويه أتصير منكر
ففي النص اعلاه تستعمل من بمعنى مثل وهو ابتكار فدعي لاريب اذا كنا نتحدث عن الشعرية في الفن الشعبي ! فنفر مدينة أثرية معروفة بشساعتها وتهدمها وخرائبها قريبة من مدينة عفك محافظة الديوانية . واذا كان الفراتيون يعتدون نفر مقبرة للارواح والممالك فهي حضارة سادت ثم بادت ففدعة جسد وروح التبسا فامتلأ الفضاء الجفرافي بمثل هذا النبوغ فكانت نفر مشبها به كثيف الايحاء لحالة فدعة وهذه العلة تشجي وتبكي ولن تقبل باي حد للفجيعة فبها توق لان تكبر وتكبر وتركيب ولونها اصله ولو انها بمعنى انها استثمرت هذا التركيب على انه اداة تشبيه وهو سلوك ابداعي غريب بيد انه مدهش وكعادة فدعة تمسك الثيمة وتشتغل عليها من خلال التكرار والنداء والمجازات المرموقة فكأن علة فدعة نار حامية فلن يقوى عليها الجسد حتى لو كان مقدودا من الصخر فالصخر لن يصمد مع الحرارة فيذوب او يتفسر وتتواصل التشبيبهات المبتكرة فعلة فدعة هكذا ! :
وفي النعي ابدعت فدعة في هذة الابيات

عكفت جرن باشه حلايب
وحليبها ماهوش رايب
شاوش وللخطار واجب
كانون الك يحسين ثاجب
مابين صلبي والترايب
يسهلن على كَلبه الصعايب
وتقول فيه ايضا :
يحسين انته عتبة الباب
ويطرادتي والماي خنياب
ويعكازتي والكَاع جبجاب
وياسترتي من يطركَـ اشهاب
ويا حلتي بسنين الاصعاب
ويا لهلهيتي حسين ياياب
حسين امسى بالتراب
ثجيل اللحد واظلم السرداب
وتقول فيه ايضا
شدله على صدي الرجابات
ركبها ولعد باب الحكم فات
تمي وراه دفعات دفعات
سلم وكَامتله الباشات
يحسين ديمي ابدكَل داوات
يود الثبت مربط غرابات
اعلى الهظيمة حسين ما بات
تصجير عودك بيك مافات
يسهلن على كَلبه المهمات
عنده الزلم جنهم ابنيات
وتقول ايضا :
شدله على الشختار هاته
او عدل بردته اعلى كَطاته
عالي مضيفة وشحلاته
اوروس الحراثي موافجاته
اخويه الثلاثة مرافجاته
الكرم والمراجل والسماته
اخوي جاراته خواته
اخوي العبد والضيف اغاته
وتقول ايضا :
ديوان لبن حمود والبيج
فجيج وما يطي الطريج
طوبس عدوه والصديج
اخويه الحجة وحط للحجي ميج
او حجيه مثل لهد المزاريج
يحسين غربالك بالبريج
وتقول فيه ايضا :
بعده الفجر جهجر ولا لاح
دكَعد وصلي على الفلاح
واسمع هطل وملامح ارماح
اخويه الرديني اتكَنطر وطاح
وتقول كذلك :
لابس قلاطه او بدن من جوخ
ومثل الغنم عنده الشيوخ
فاعوس ويلوخ الدسر لوخ
اخوية الجنج والوادم افروخ
وقالت :
اشهدي للولد ياركَبة الوردي
هذا خلف ابوي اذخيرتي العندي
يانار التهب ابطارف البردي
اتوسع بالجريح وتلهب اللباد
وقالت :
اشهدي للولد ياركَبة النبعه
جريم اومرجلاني من جهل طبعه
يهديب النكَل حمله وحمل ربعه
نكَل حمل الرعيع او بعد شال افراد
وقالت :
بارح يل يفسد البيض من عشه
يابحر الظلام المحد ايخشه
انته لعبة البطله يبو خشه
نغل الماش يلما ينطبخ بالزاد
وقالت :
حسين للجادة ابكَلب من جاده
ياتبليه عيط للصعاده
حر ابو راشد على الصيد هوه
الجرح مخلابه فلا يرهم دوه
صعصع الحاش الغيوم على الهوه
وكَام يرعد بالفلك برعاده
حر ابو راشد يصف جنحانه
ما يكسرش غير صدر العانه
مكسر البلكَليطض للتعبانه
شاطي المظلف حلو ميراده
حر ابو راشد امصكَرنه اروام
ياشبه صل على السدره ينامحسين ناجلهن ثلاثه بالتمام

المراجل والكرم والعاده
وفدعة ليست شاعرة فقط بل هي حكيمة ولها امثال ترددها الناس ومقولات تعطر المجالس :
الولد مولود و الرجل موجود والاخو مفكَود
أيضا نلاحظ في شعر فدعة استمد بعض مفرداتة من القرأن الكريم دلالة كما في البيت التالي
جانون الك يحسين ثاجب. ما بين صلبي والترايب.
﴿ خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب ﴾
والى الاان يشير الكثير من الكتاب والشعراء الى ابداع هذة المرأة في مجال الشعر الشعبي
اول من جمع شعرها في ديوان وحققه وعلق عليه هو الشيخ الفاضل عبد المولى الطريحي النجفي رحمه الله ولدينا نسخة من طبعته الرابعة التي صدرت 1973 عن مطبعة النعمان وعنوانه ( فدعة الشاعرة ) يقع في اثنتين وثلاثين صفحة من القطع الصغير! والطبعة الاولى كانت عام 1949 في المطبعة الحيدرية بالنجف !
المصدر : موسوعة اعلام الصائغ الثقافية

اترك رد