نعيش بأجساد خاوية وعيون لا ترى الجمال إلا في الوطن

تكلمي

, مقالات

يوميات عراقية في الغربة
وداد إبراهيم//
كنت قد تركت وظيفتي في وطني وقررت اللحاق بزوجي في بلاد الغربة، بقناعة استقرت في عقلي ان لا افضل من ان يكون للمرأة بيت وزوج وأطفال، لكن هذه المعادلة لا تتطابق مع الغربة، اي ان هذه الحياة تكون في غاية الصعوبة لو طبقت في الغربة فمن الممكن ان تكون زيارة للأهل او الاصدقاء او الاقارب ولقاء الاشقاء والشقيقات ايام المناسبات والعطل والاعياد، يبعد وحش الكآبة والملل والضجر الذي يجتاح صدورنا في الغربة، ادور في البيت اتطلع من الشباك الى الشارع لا اجد كائنات من نوع البشر تتمشى في الشارع او قرب المجمع السكني الذي اسكنه الكل يتنقل عبر العجلة، احاول الخروج مع طفلي لأقرب سوق، للتبضع، ادقق في المعلبات اقرأ بحذر وبدقة كاملة محتوياتها فمن النادر ان اجد علبة من دون ان يكتب عليها مع زيت البورك( الخنزير) اقلب انواع المخبوزات، لكني لم اجد يوماً فرن او مخبز يقدم المخبوزات الحارة بل اشتريها من الاسواق الكبيرة فأتذكر الخبز بالسمسم واللحم والزعتر، ولم يثير استغرابي تجمع العراقيين عند احد محال بيع الوجبات السريعة لتناول وجبة من الفلافل والصمون الحجري وكنا قد قطعنا مسافة طويلة للوصول الى هذا المطعم لأخذ وجبة حارة من الفلافل والتي لم نستطع ان نصل بها الى البيت بل التهمناها امام المطعم، وكأننا نلتهم ونتذوق طعم الوطن ونتعطر برائحته، وتعرفنا على الكثير من العراقيين سبقونا في شراء وجبة الفلافل ودار بيننا ذات السؤال اين تقيم ومن اي منطقة من العراق من دون ان نعلن عن مشروع صداقة او تقارب او زيارات فالحديث عن الوطن في الغربة لا يشجعك لان تتقارب احساس الغربة قاسي وجارح، وكما كانت الوجبة سريعة وساخنة كانت مشاعر الغربة تتسلل الينا كلما بحثنا عما يذكرنا بأيام كانت لنا في وطني، عدنا الى البيت، على وقع اغنية حسين الجسمي( انا الشاكي انا الباكي انا الحساس)، ونحن نتحدث عن ذكرياتنا مع هذه الوجبة نتمنى ونتأمل ونحلم ان نعود الى الوطن وما ان نتذكر ما شهدناه من قتل ومطاردة وتفجيرات وانتظار انجاز معاملة اللجوء والحصول على الموافقة والتي استمرت لأربع سنوات نقول لا لا لن نعود ابداً ابداً، وهذا حال الكثير من الاصدقاء في الغربة فهم يشتكون ويتشاكون من الغربة لكن حين يعرفون ان هناك من عاد الى الوطن يضحكون منه ويلومونه ويعدونه الخاسر الأكبر بالعودة الى الوطن، ولا ندرك بأننا لم نغادر الوطن ابدا ابدا وفشلنا في كل المحاولات لانتزاعه من ارواحنا ،لا اعرف كيف يتخلص العشاق من الارواح التي تتلبسهم ولا اعرف كيف تبني الطيور اعشاش في المهاجر ولماذا تتركها وتعود إدراجها، ولا اعرف كيف يتعامل العراقيون في منتهى الرقي والرزانة مع كل من حولهم في الغربة ويعملون في المطاعم والمتاجر الكبيرة والصغيرة كباعة ومنظفين في المطابخ والكثير منهم يعملون في مرآب السيارات المرافقة للفنادق او النوادي الليلية وبعمل شاق وطويل واحياناً حتى الصباح يصفّون السيارات على وفق ما مخطط وبنحو دقيق مع الاتفاق على ان ما يحصل عليه من عمولة من الزبون ان تعطى لصاحب الكراج ولا يأخذ غير الراتب المتفق عليه، من دون شجار او ملل او حتى ضجر هل كان هؤلاء سيعملون في الوطن ذات العمل، لكن الحقيقة هي ان مرارة الغربة هي الجرعة الاكبر والاشد قسوة من مرارة العمل والدراسة والصداقة فهي التي تبقينا على قيد الحياة والتحمل والصبر على ان نعيش بأجساد خاوية من الروح وعيون تحدق في الجمال ولا ترى اجمل من الوطن.

اترك رد