Takalami | تكلمي

أمهات للمحن…

“زينب الحسني ”
احتضنت كيساً بلاستيكياً وخبأته تحت عباءتها المغبرة بالتراب كوجهها سارت مسرعة تعلو وجهها ابتسامة فارقتها على مدى ثلاثة عقود,
لم تنظر خلفها ابداً كانت شفاهها تتمتم بكلام غير مفهوم الى ان ادركت انها تسير بشارع لم تمر به سابقاً وبين الفرحة وتلألؤ الدموع على خديها ,رأت شجرة بالقرب من احد الارصفة فجلست واخذ صوتها يعلو بالتمتمة وهي ممسكة بمحتويات الكيس وتقول ” دلول الولد يابني دلول صفيت انت وحيد ونايم بالجول “.
فجأة جاءها شيخ كاهل واخذ يعاتبها بصوت عالٍ لماذا أخذتِ انا ايضاً اريد ان احتضنه واقبل عظامهِ العطرة اليس ولدي مثل ماهو ولدكِ.
انهار الاثنان بالبكاء والصراخ وكل واحد منهما ممسك بجزء من رفاة ولدهما الذي اعدمه النظام المباد بحجة انتمائه الى احد الاحزاب الدينية التي باتت اليوم ممسكة بزمام السلطة ومقاليد الحكم .
استذكرا كل معاناتهما وكيف كانا يجولان سجون البلاد بحثاً عن بصيص أمل يوصلهم الى ولدهم ” هاشم ” الذي عثر عليهِ بعد 30 سنة من فقدانهِ الا انهم لم يجدوا سوى عظمهٌ ومادلهم عليه الخاتم الذي كان يرتديه بيدهِ اليمنى لم يشفع لهُ شبابهُ ولا انه كان طالباً في المرحلة الاخيرة بكلية الهندسة , ولا انه كان الوحيد لوالدية ,كل هذهِ الاشياء وغيرها لم تشفع لهُ.
بل اعدموه بدم بارد لانه كفر بنظام البعث وكل ما يسير خلفه فكان مصيره ان يدفن بمقبرة جماعية اسوة بجميع الاحرار الذين راحوا ضحية النظام الفاشي الذي لم ولن يكتفي من زهق ارواح كل من يوسوس في داخلهِ شيطان الحرية والمطالبة بالعدالة الاجتماعية .
وعلى الجهه المقابلة للرصيف كانت هناك أمرأة اخرى أجتمع حزن الكون كله بعينيها أستندت الى جدران أحد البيوت بعد ان انحنى ظهرها حزناً على ولدها الذي استشهد وهو يحاول منع انتحاري من المرور خلال السيطرة التي كان هو احد افرادها .
ارتضى ان يحتضن الارهابي على ان يسمح له بأن يتسبب بقتل عشرات الابرياء حال اجتيازه السيطرة .
كانت هذه الام معتادة صباح كل يوم ان تأتي لتشم رائحة دم ولدها الذي لم يبق منه سوى هذه النفحات , اذ لا قبر احتواء جسده ولم يرحم الارهابي جسمه ويبقي منه شسئاً حيث لم يبق من العريس كما تحب ان تناديه امه سوى قطرات دمهُ على احد الاعمدة التي قيل لها انها تعود لولدها .
وبين نواح هاتين الوالدتين تتلاشى سنوات المحن والعذاب وكأنهن لم يأتِ لهن الحاضر بجديد ولا الماضي تمكن من اعادة البعيد كلتاهما فوجعت وحرمت من فلذت كبدها والسبب واحد وان اختلفت السنين وتباعدت ,لكون الموت في العراق اتخذ من جبابرة كل عصر ادوات لحصد الارواح مهما كانت اعمارها او احلامها او ما تتركه خلفها من امهات وزوجات و حبيبات يصعب عليهن الفراق .

اضف تعليق

ما تعليقكم ؟

تسجيل الدخول

تابعونا