Takalami | تكلمي

في الذكرى الثانية لسقوط المنارة الحدباء ، ما هي امكانيات إعادة بناء السلام من جديد في العراق ؟

“Noor Ghazi”

هنالك بعض العوامل التي ساعدت على نشوء اقدم الحضارات و هي حضارة ( وادي الرافدين ) او ما يسمى اليوم ب ( العراق ) ، منها خصوبة الارض و وفرة المياه و موقعها الجغرافي المميز و تنوع التضاريس ، و لكن مع ذلك قد واجه العراق عدة غزوات و حروب شهدها منذ القدم و على مر العصور ، انقلاباتٌ و حروب و صراعات داخلية و خارجية كلما انتهت واحدة بدأت الاخرى من جديد وصولاً الى الحرب الاخيرة التي اطاحت بالرئيس الاسبق ( صدام حسين ) وما تلاها من حروب دامية اخرى ، و في الفترة الاخيرة واجه العراق حروباً داخلية ذات تدخلات و ايادٍ خارجية نالت نصيباً من خيره و اطاحت بالبُنى التحتية و المراكز الحيوية و المهمة في البلاد ، فالضربة الاخيرة التي واجهها العراق هي ( داعش ) الارهابي هي التي اطاحت بالجزء الاكبر من مقومات البلاد و ساعدت على تقسيم و تفريق وحدة الشعب و عاثت في الارض فساداً و التي خلفت اضراراً جسيمة سيشهد التاريخ لها على مرِ العصور . و تختلف الغزوات او الهجمات على البلاد بأختلاف قوتها او امداداتها اللوجستية التي تصل اليه من مصادر خارجية او من مصادر داخلية كالسكان المحليين مثلا ، و كلما رأيت الدمار في الموصل يخطر على بالي الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية بسبب كثرة الارواح التي ازهقت و كمية الدمار والخراب الذي حَل في هذه المدينة ، حيث اعتمدت ( داعش ) في توسعها و سيطرتها على عدة عوامل مهمة منها : سوء سياسة الحكومة المركزية في المدينة و فساد القوات العسكرية و بعض الايادي العليا التي لا تُدين للحكومة المركزية بالولاء و تردي الحالة الاقتصادية و تهالك البنى التحتية للمنطقة فضلا عن انتشار البطالة و التي تُعد قنبلة موقوتة سريعة الانفجار ، كُل ذلك بالتالي ادى الى سيطرة ( داعش ) على المدينة و استحواذها على اغلب المراكز الحيوية و المهمة في الموصل حينما سقطت بتاريخ ( 10 / 6 / 2014 ) . و لم يقتصر ( داعش ) على ذلك فقط بل واصل تدمير و تخريب الاثار العظيمة في مدينة ( اشور ) الاثرية العريقة التي امدت تاريخها من906 ق.م حتى 934 ق.م و التي كانت اعظم امبراطورية في العالم انذاك ، و خلال تلك الفترة استلمت ( اشور ) زمام قيادة الامة انذاك و كانت دولة عسكرية ذات انجازات معمارية كصناعة تماثيل الثيران المجنحة امام القصر الملكي و زينت الجدران بنقوش تدل على المعارك التي خاضتها . و ما بين سنتي 612 ق.م و 883 ق.م تأسست امبراطورية امتدت من نهر النيل حتى القوقاز و من اعظم ملوكها : ( سرجون الثاني ، سنحاريب ، اسر حادون “والد اشور بانيبال” ) واكتشف الاشوريون “الكتابة المسمارية” التي خلدت ذكريات عظيمة كالطوفان و ملحمة كلكامش ، و بعدها عرفوا الجذور التكعيبية و التربيعية و قياس زوايا الدائرة و اكتشاف الفلك و احتساب محيط خمسة كواكب و قسموا السنة لشهور و الشهور لأيام و اليوم كان عندهم يعادل 12 ساعة و الساعة تعادل 30 دقيقة ، إضافة لذلك كانت مكتبة “اشور بانيبال” من اشهر المكتبات في العالم القديم لانها كانت تحوي على جميع الالواح المهمة في انحاء العالم و التي تُعد خزيناً علمياً . و في العاشر من يونيو/حزيران 2014 تمكن ( داعش ) من السيطرة على الجانب الايمن من الموصل بعد فرار الجيش و الشرطة وتركوا خلفهم كافة معداتهم ، و بعدها انتقل داعش الى الجانب الايسر ، عَقِبها تم اطلاق الف سجين من سجن ( بادوش ) ، و قد قام ( داعش ) بأبشع الجرائم الارهابية على مر التاريخ حيث دمر مراقد الانبياء كمرقد ( النبي يونس “عليه السلام” ) و الاماكن المقدسة و الحسينيات و الجوامع في الموصل و قتل وتهجير الاقليات و مصادرة املاكهم مثل : الشبك و التركمان و المسيحيين و الايزيديين و الشيعة ايضاً ، و لم يسلم السكان المحليين الذين اُجبروا على البقاء فقاموا باستعباد النساء و استباحتهم و قتل اي شخص يقف ضدهم او يعارضهم او لا ينصاع الى اوامرهم . و بعدها اُعلن عن تنصيب الارهابي ( ابو بكر البغدادي ) زعيما لداعش حيث القى خطبة رنانة و هو من سيتولى قيادة المسلمين و المسؤؤل عن تصدير الفتاوى في الموصل طامحين ان تمتد هذه الدولة الاسلامية و احكامها لكافة بقاع الارض ، وكانت افكار السيطرة والنفوذ تعشعش في خيالاتهم من الزمن الغابر عندما كانت البشرية يخيمُ عليها الجهل و بالكادِ تسلقت سُلم المعرفة كي تغادر طلاسم الالغاز و الاحاجي المبهمة ، و بعدها توالت الاحداث و اراد ( داعش ) استمالة السكان و كسب عواطفهم و تأييدهم له فقاموا برفع الصبات الكونكريتية و الحواجز الخرسانية وفتح الطرق الرئيسية في الموصل حتى استقر الوضع الى بسط نفوذه و سيطرته على المدينة بعد ان تغيرت معالم المدينة بسبب الدمار و الخراب واصبح سكانها لا يميزونها حيث اختلفت عما كانت عليه . بعدها قررت الحكومة العراقية استراجع الاراضي التي سيطر عليها داعش عام 2016 و قد كان بعض السكان المحليين الرافضين لسيطرة التنظيم الارهابي انهم ساندوا القوات العسكرية في دحر الارهاب و استعادة السيطرة من جديد ، إلا إن داعش قد قاوم القوات العسكرية بكل قوتهِ و ببعض الخطط الخبيثة من خلال تدمير المدينة بالكامل قبل اعلان خسارتهم على ايدي الجيش العراقي سنة 2017 . و تمر علينا اليوم الذكرى الثانية لتدمير “المنارة الحدباء” المعلم الاهم في المحافظة إضافة الى “جامع النوري الكبير” الذي يعُده ( داعش ) مقر خلافتهم المزعومة الذي اعلن فيه خطبته الكبيرة الارهابي ( ابو بكر البغدادي ) سنة 2014 و هي كانت المرة الاولى و الاخيرة التي شُوهد فيها صاحبتهُ سيارات حماية كثيرة و مدججة بالاسلحة المتنوعة لحمايته ، في الوقت الذي تزامن مع انقطاع شبكات الاتصال في المدينة كافة بحسب اقوال اهل المدينة انذاك . اليوم و بعد مرور سنتين على تحرير الموصل ما زال الوضع كما هو عليه بل اصبح يتفاقم شيئاً فشيئ و بقيت نفس اسباب سقوط الموصل تتزايد تدريجياً ، فاليوم مئات الالاف المهجرين من اهالي الموصل يعيشون نازحين في مخيمات على اطراف المدينة يفتقرون الى ابسط مقومات الحياة ، و الاطفال يعانون من سوء التعليم بسبب قلة المدارس المتوفرة لانها قد تعرضت للتهديم حيث كانت تستخدم كمخازن للذخيرة و العتاد و ايواء المقاتلين من داعش . إن افتقر الانسان الى ابسط مقومات الحياة التي اشار لها ( ابراهام ماسلو ) كالحاجات الفسيولوجية ( الطعام ، الشراب ، النوم …. ) و حاجات الامان و الحاجات الاجتماعية ، فسيصبح من المستحيل بناء مجتمع قوي و متماسك ، فتربية جيل جديد درس و تربى على يد ( داعش ) و تطلع على ابعادهِ هو اشبه بالقنبلة الموقوتة سيشهد العالم اجمع على نتائجها قريباً ، علاوةً على فقدان عوامل الحياة الكريمة التي ذُكرت سابقاً سيكون السؤال قائماً : ما هي امكانيات إعادة بناء السلام في العراق اليوم ؟

اضف تعليق

ما تعليقكم ؟

تسجيل الدخول

تابعونا