Takalami | تكلمي

يوميات إمرأة عراقية( الحلقة الثامنة)

“nidhal asha”

عانى الشعب العراقي منذ سنوات ومابعد الاحتلال الأمريكي من ظاهرة التفرقة والطائفية والعنصرية التي تسببت في قتل وتهجير العديد من ابناء العراق من مدنهم، والذين ولدوا وترعرعوا فيها ليتركوها بين ليلةٍ وضحاها الى مدن اخرى توفر لهم الامان والطمأنينة .
أم محمد امرأة مسلمة شيعية متزوجة من رجل مسلم سني، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في محافظة البصرة مدينتها التي احبتها كثيرا، كانت تعمل موظفة في أحدى دوائر الدولة لتساعد والدها في أعالة العائلة، بعد مغادرة أخيها للالتحاق بجبهات القتال في الحرب العراقية الايرانية، وقد أصيب من جراء ذلك في أحد ساقيه، تلك الإصابة اورثته العجز الذي منعه من الرجوع الى جبهات القتال فيما بعد.
وقد عانت عائلة ام محمد كباقي العوائل التي تعيش في محافظة البصرة من قصف للطائرات الامريكية المعادية عند احتلال الكويت، وقد تعرض اخيها الآخر للاعتقال والتعذيب، تزوجت أم محمد وأنجبت اولادها الثلاثة بعد أن توفيت طفلتها الاولى من جراء حزنها على اخيها الذي وافاه الأجل بعد الافراج عنه وعودته الى منزله.
وحين فرض الحصار الاقتصادي على العراق ونتيجة للظروف الصعبة التي مر بها بلدنا، قررت أم محمد الرحيل الى العاصمة بغداد بعد أن سلمت اموالها لصديقتها لكي تحولها الى دولار، ولكن الصديقة غدرت بها وسرقت أموالها ولم تراها ابداً.
استأجرت العائلة منزلاً في محافظة بغداد واستمروا بالعيش في العاصمة لمدة ثلاث سنوات، أعقبتها بدأ قوات الاحتلال الامريكية حملتها لأجتياح العراق واحتلاله، تسع وثلاثون صاروخاً يهز سكون ليل بغداد، قررت العائلة العودة الى محافظة البصرة لكي يسكنوا في بيت بسيط خالي من الاثاث الا من بعض البسط والفرش.
بدأت أم محمد العمل في منظمات المجتمع المدني وحضور الاجتماعات الخاصة بعمل المنظمات الى جانب عملها كصحفية، وفي إحدى الايام دست لها ورقة من تحت باب الدار، كتب في داخلها توقفي عن العمل، مما جعلها تعيش بحالة من الخوف والهلع، ليس لشخصها فقط وانما خوفاً على عائلتها، وبالرغم من كل المخاوف التي انتابتها، استمرت بالعمل ولم تبالي بالتهديد الذي وجه اليها، أستمرة بمسيرة حياتها وعاشت ايامها بسعادة وهناء مع زوجها واطفالها لم تفكر يوماً بأنها من طائفة تختلف عن طائفة زوجها، كل ماكانت تدركه بأنها امراة مسلمة عراقية.
وبعد فترة قصيرة من اول رسالة، ارسلت رسالة ثانية عن طريق الموبايل تهدد بقتلها هي وعائلتها وتنعتها بالسنية كون زوجها سني أو أن تغادر المحافظة لأن ليس لها مكان فيها.
وعاد الخوف مرة أخرى يملأ قلب أم محمد والقلق والاضطراب اكثر من التهديد الأول، وأضطرت التقليل من ذهابها للعمل حفاظاً على بيتها وابنائها.
غادرت العراق متوجهة الى سوريا لتقدم أوراقها الى منظمة الامم المتحدة ( دائرة الهجرة والمهجرين ) وحدد لها موعد للمقابلة، ولكنها لم تصبر وعادت الى العراق لمحافظة البصرة، وبعد ايام اكتشفت ومن خلال الفحوصات الطبية بأنها أصيبت بمرض عضال ( مرض السرطان ) في أحد أعضاء جسدها، وقد أجريت لها العديد من العمليات داخل وخارج القطر ولكن دون جدوى، كان المرض ينتشر في كل جسمها، الى أن وافاها الأجل توفيت وهي في العقد الثلاثيني لتنتقل الى جوار ربها، ويحرم اطفالها من حنان الأم ورعايتها، فارقت حياتها بعد أن عانت الويلات والمصاعب في سنين عمرها لتعيش بسلام في عالم ثاني خالي من كل انواع العنف والاضطهاد والطائفية والعنصرية، عالم يسوده الأمان والطمأنينة.
هذه حياتنا وهذا عالمنا الذي نعيشه ويعيشه كل ابناء العراق، معاناة يومية لما يواجهونه من عنف طائفي واضطهاد عنصري في ظل ظرف امني غير مستقر على الساحة العراقية، وينتظر جميع الشعب العراقي بفارغ الصبرلمن يضع حد ونهاية لمآسيهم وآهاتهم.

اضف تعليق

ما تعليقكم ؟

تسجيل الدخول

تابعونا